السيد محمد باقر الصدر
572
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
بعد استشهاد أبيه ، فمارسها خلال النصف الثاني من القرن الأوّل ، في مرحلة من أدقّ المراحل التي مرّت بها الامّة وقتئذٍ ، وهي المرحلة التي أعقبت موجة الفتوح الأولى ؛ فقد امتدّت هذه الموجة بزخمها الروحي وحماسها العسكري والعقائدي ، فزلزلت عروش الأكاسرة والقياصرة ، وضمّت شعوباً مختلفة وبلاداً واسعة إلى الدعوة الجديدة ، وأصبح المسلمون قادةَ الجزء الأعظم من العالم المتمدّن وقتئذٍ خلال نصف قرن . مواجهة الإمام السجّاد ( عليه السلام ) الخطرين المحدقين بالامّة الإسلاميّة : وعلى الرغم من أنّ هذه القيادة جعلت من المسلمين قوّةً كبرى على الصعيد العالمي من الناحية السياسيّة والعسكريّة ، فإنّها عرّضتهم لخَطَرَين كبيرين خارج النطاق السياسي والعسكري ، وكان لا بدّ من البدء بعمل حاسم للوقوف في وجههما : أحدهما : الخطر الذي نجم عن انفتاح المسلمين على ثقافات متنوّعة وأعراف تشريعيّة وأوضاع اجتماعيّة مختلفة بحكم تفاعلهم مع الشعوب التي دخلت في دين الله أفواجاً . وكان لا بدّ من عملٍ على الصعيد العلمي يؤكّد في المسلمين أصالتهم الفكريّة ، وشخصيّتهم التشريعيّة المتميّزة المستمدّة من الكتاب والسنّة . وكان لا بدّ من حركة فكريّة اجتهاديّة تفتح آفاقهم الذهنيّة ضمن ذلك الإطار ؛ لكي يستطيعوا أن يحملوا مشعل الكتاب والسنّة بروح المجتهد البصير والممارس الذكي ، الذي يستطيع أن يستنبط منها ما يفيده في كلّ ما يستجدّ له من حالات . كان لا بدّ إذاً من تأصيلٍ للشخصيّة الإسلاميّة ، ومن زرع بذور الاجتهاد ، وهذا ما قام به الإمام عليُّ بن الحسين ( عليه السلام ) ؛ فقد بدأ حلقةً من البحث والدرس في مسجد الرسول ( صلّى الله عليه وآله ) ، يحدّث الناس بصنوف المعرفة الإسلاميّة ، من تفسير